قطع الرباط الصليبي الأمامي والخلفي معاً: إصابة مختلفة تحتاج تعاملاً مختلفاً
قطع الرباط الصليبي الأمامي وحده إصابة معروفة ويُكتب عنها كثيراً. أما أن ينقطع الرباطان الأمامي والخلفي معاً في نفس الركبة، فتلك إصابة مختلفة تماماً — في خطورتها، وفي طريقة تقييمها، وفي أسلوب علاجها.
هذه الإصابة أقل شيوعاً بكثير، لكنها من أخطر إصابات الركبة على الإطلاق. وفي هذا المقال نشرح لماذا، وكيف يتم التعامل معها، مع عرض حالة من العيادة.
ما الفرق بين الرباط الأمامي والخلفي؟
داخل الركبة رباطان متقاطعان، لكل منهما وظيفة معاكسة للآخر:
- الرباط الصليبي الأمامي يمنع عظمة الساق من الانزلاق للأمام
- الرباط الصليبي الخلفي يمنعها من الانزلاق للخلف
الرباط الخلفي أقوى وأسمك من الأمامي، ولهذا فإن قطعه يحتاج قوة أكبر بكثير. وهذا وحده يخبرنا شيئاً مهماً: أن إصابة تقطع الرباطين معاً هي إصابة عالية الطاقة.
كيف تحدث هذه الإصابة؟
على عكس قطع الرباط الأمامي المنفرد — الذي يحدث غالباً أثناء الدوران دون احتكاك — فإن قطع الرباطين معاً يحتاج قوة عنيفة:
- حوادث الطرق — خاصة ارتطام الركبة المثنية بلوحة السيارة الأمامية
- السقوط من ارتفاع على ركبة مثنية
- الاصطدام المباشر العنيف في الرياضات القوية
- فرط تمدد الركبة للخلف بقوة شديدة
النقطة الأخطر: احتمال وجود خلع في الركبة
هذه هي أهم فقرة في المقال، ويجب أن يعرفها كل مصاب وكل من يتعامل مع هذه الإصابات.
حين ينقطع الرباطان الصليبيان معاً، فإن ذلك يعني غالباً أن مفصل الركبة قد خُلع لحظة الإصابة ثم عاد إلى مكانه تلقائياً. وقد يصل المريض إلى المستشفى وركبته تبدو في وضعها الطبيعي، فلا ينتبه أحد إلى ما حدث.
والخطورة أن خلف الركبة مباشرة يمر الشريان المأبضي — وهو الشريان الرئيسي المغذّي للساق والقدم — ويمر بجوارها كذلك العصب الشظوي المسؤول عن رفع القدم.
لذلك فإن أي اشتباه في قطع الرباطين معاً يستوجب:
- فحص النبض في القدم ومقارنته بالجانب السليم
- قياس ضغط الكاحل نسبةً إلى الذراع للكشف عن قصور في التروية
- فحص الإحساس والحركة في القدم لاستبعاد إصابة عصبية
- تصوير الأوعية عند وجود أي شك
سلامة الشريان والعصب تسبق التفكير في الرباط نفسه. إصابة الشريان المأبضي إذا لم تُكتشف مبكراً قد تهدد الطرف بالكامل — بينما الرباط يمكن إصلاحه لاحقاً.
الأعراض
تختلف عن قطع الرباط الأمامي المنفرد في شدتها ووضوحها:
- تورّم شديد وسريع في الركبة كلها
- عدم ثبات واضح في كل الاتجاهات — المريض يشعر أن الركبة "سائبة" تماماً
- صعوبة أو استحالة تحميل الوزن على الساق
- كدمات واسعة حول المفصل ومن الخلف
- ألم عميق خلف الركبة
وقد تظهر علامات إنذار خطيرة تستدعي التوجّه الفوري للطوارئ: برودة أو شحوب القدم، أو تنميل، أو عجز عن رفع القدم لأعلى.
التشخيص
يبدأ بالفحص الإكلينيكي الذي يكشف الارتخاء في الاتجاهين — للأمام وللخلف معاً. ومن أوضح العلامات هبوط عظمة الساق للخلف حين يستلقي المريض والركبة مثنية، وهي علامة مميزة لقطع الرباط الخلفي.
الأشعة العادية ضرورية لاستبعاد الكسور المصاحبة وكسور انتزاع مواضع الأربطة.
الرنين المغناطيسي هو الفحص الحاسم، إذ يوضّح الرباطين معاً ويكشف ما يصاحبهما — وهو كثير في هذه الإصابات: تمزّق الغضروف الهلالي، وإصابة الأربطة الجانبية، والزاوية الخلفية الوحشية.
العلاج: لماذا الجراحة هنا شبه حتمية؟
قطع الرباط الخلفي منفرداً قد يُعالَج تحفظياً في حالات مختارة، لأن الرباط الخلفي له قدرة على الالتئام أفضل من الأمامي.
أما إذا انقطع الرباطان معاً، فالركبة تفقد ثباتها في الاتجاهين، ولا يبقى ما يعوّض ذلك. والنتيجة المتوقعة دون علاج هي عدم ثبات مزمن، وتلف متسارع في الغضاريف، وخشونة مبكّرة.
لذلك فإن إعادة بناء الرباطين هو المسار العلاجي في الغالبية العظمى من هذه الحالات، خاصة عند الشباب.
حالة : إعادة بناء الرباطين الأمامي والخلفي بالمنظار
أشعة الركبة بالوضعين الأمامي والجانبي بعد إعادة بناء الرباطين الصليبيين معاً بالمنظار، وتظهر مواضع التثبيت في عظمتي الفخذ والظنبوب.
مريض في الخامسة والعشرين من عمره، تعرّض لقطع في الرباط الصليبي الأمامي والخلفي معاً في نفس الركبة.
لماذا أُجريت الجراحة بعد شهر وليس فوراً؟
هذا سؤال يطرحه كثير من المرضى، والإجابة أن التأخير هنا قرار جراحي مقصود، وليس إهمالاً:
- يسمح بانحسار التورّم والالتهاب الحاد
- يتيح استعادة مدى الحركة قبل الجراحة، وهو أهم عامل في تجنّب التيبّس بعد العملية
- يعطي المحفظة المفصلية الممزّقة وقتاً للالتئام، وهو أمر مهم في جراحة المنظار لتفادي تسرّب السوائل خارج المفصل أثناء العملية
- يسمح باستكمال تقييم الأوعية والأعصاب بشكل كامل
التقنية
تمت إعادة بناء الرباطين معاً بالمنظار في جلسة واحدة، باستخدام:
- أوتار العضلات الخلفية للفخذ كطُعم ذاتي من المريض نفسه
- زرار تثبيت معلّق في عظمة الفخذ
- مسمار ذاتي الامتصاص — يثبّت الطُعم ثم يتحلل تدريجياً داخل الجسم دون الحاجة لجراحة أخرى لإزالته
لماذا الطُعم الذاتي؟ لأنه نسيج حيّ من جسم المريض، يندمج مع العظم بشكل أفضل، ولا يحمل خطر الرفض أو نقل العدوى — وهو اعتبار مهم في مريض شاب أمامه عقود من النشاط.
لماذا المنظار؟ لأنه يتيح الوصول الدقيق إلى موضع الرباط الخلفي — وهو موضع عميق خلف المفصل يصعب الوصول إليه جراحياً — عبر فتحات صغيرة وبأقل تدخل في الأنسجة المحيطة.
التأهيل: أطول وأكثر حذراً
يجب أن يكون هذا واضحاً منذ البداية: التأهيل بعد إعادة بناء الرباطين ليس كالتأهيل بعد الرباط الأمامي وحده. هو أطول، وأبطأ، وأكثر تحفّظاً.
السبب أن الرباط الخلفي المُعاد بناؤه يتعرّض لقوى شد كبيرة مع الجاذبية وثني الركبة، ولذلك يحتاج حماية خاصة في الأسابيع الأولى، ودعامة تسند عظمة الساق من الخلف، وبرنامجاً متدرّجاً يختلف عن البرنامج المعتاد.
الالتزام ببرنامج التأهيل في هذه الحالات لا يقل أهمية عن الجراحة نفسها. نتيجة الجراحة الممتازة يمكن أن تضيع بتأهيل غير منضبط.
الخلاصة
- قطع الرباطين معاً إصابة عالية الطاقة، وليست نسخة مضاعفة من قطع الرباط الأمامي
- يجب دائماً استبعاد وجود خلع في الركبة، وفحص الشريان والعصب أولاً
- الجراحة هي المسار العلاجي في الغالبية العظمى من الحالات، خاصة عند الشباب
- التأخير المدروس قبل الجراحة يحسّن النتيجة ويقلّل خطر التيبّس
- التأهيل أطول وأكثر تحفّظاً، والالتزام به شرط لنجاح الجراحة
إذا تعرضت لإصابة عنيفة في الركبة وشعرت بعدم ثبات واضح في كل الاتجاهات، فالتقييم المبكر لدى جراح متخصص في مناظير الركبة ضروري — لأن ما يُكتشف مبكراً في هذه الإصابات يختلف كثيراً عمّا يُكتشف متأخراً.
د. محمد عطية عبد المعطي
مدرس واستشاري جراحة العظام — مناظير الركبة وإعادة بناء الرباط الصليبي
العيادة: ميت غمر، ش الجيش، الدقهلية
📞 للحجز:
اقرأ أيضاً: قطع الرباط الصليبي الأمامي: الأعراض ومتى تحتاج جراحة؟
Dr. Mohamed Attia Abdelmoeti — Lecturer & Consultant Orthopedic Surgeon, Knee Arthroscopy & ACL/PCL Reconstruction
⚠️ هذا المقال للتوعية العامة ولا يُغني عن الفحص الإكلينيكي والاستشارة الطبية المباشرة. كل حالة لها ظروفها الخاصة.

تعليقات
إرسال تعليق